ابنا : وقد سبق لمركز البحرين أن أطلق عدة تقارير سابقة في الأشهر الستة الأخيرة نددت باستهداف الأطفال في الحملات الأمنية التي تشنها السلطة ضد المعارضين، ولكن نداءاته للسلطة باحترام المواثيق الدولية التي تعهدت عليها ومنها اتفاقية حقوق الطفل قد لقيت آذاناً صماء في ظل صمت المجتمع الدولي، بل أن انتهاكاتها لحقوق الطفل قد تفاقمت ووصلت إلى حدود خطيرة.
ضحايا العنف والاستخدام المفرط للقوة
وقع الأطفال ضحية لممارسة النظام البحريني للعنف المفرط لقمع التظاهرات السلمية في الأشهر الماضية، حيث تجاهل أمنهم وسلامتهم عند الهجوم على دوار اللؤلؤة في 17 فبراير 2011 في الثالثة فجراً ودون سابق إنذار بالغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي والحي ورصاص صيد الطيور (الشوزن) رغم وجود الكثير من الأطفال بين النائمين في الخيام. وكانوا عرضة للاستخدام المفرط والعشوائي للقوة ضمن سياسة العقاب الجماعي، فأصيبت طفلة رضيعة برصاص الشوزن في ذراعها في 16 مارس 2011 في هجوم لقوات الشغب على التجمعات السلمية في محيط دوار اللؤلؤة.
بعض الأطفال المصابين في الاعتداء على الدوار في 17 فبراير 2011 – مستشفى السلمانية:
وفقد الطفل سيد أحمد شمس (15 عاماً) حياته في مساء الأربعاء 30 مارس 2011 بعد إصابته بطلق ناري في الوجه، وذكر شهود عيان بأن سيارات الأمن كانت تجوب شوارع قرية سار وبين البيوت بسرعة عالية في وقت لم تكن فيه أية احتجاجات في القرية، وكان السيد أحمد يلعب مع رفاقه محاذياً لمنزل جدّه، وتفاجئوا حينما رأوا سيارات الأمن مقبلة بسرعة عالية في حوالي الساعة الخامسة والنصف عصراً، وبدأت قوات الأمن فجأة بإطلاق النار عليهم، وحين حاول الأطفال الهرب أصيب السيد أحمد بطلق ناري فوق حاجب العين اليسرى، وسقطت بقربه عبوة غازلة مسيل للدموع سببت له صعوبة في التنفس حتى أغمي عليه. وتركته قوات الأمن يعاني من الإصابة دون أن يسعفوه، حتى وصل الخبر لأهله، وجاءوا لمكان الحادثة وأخذوا أبنهم للمستشفى لكنه فارق الحياة قبل وصوله للمستشفى. وبدلاً من التحقيق في الحادثة رفضت وزارة الداخلية الاعتراف بمسؤوليتها ورفضت تسليم جثمان السيد أحمد لذويه حتى يوقعوا على شهادة الوفاة التي دون فيها بأن سبب الوفاة هو سقوطه في أرض الملعب.
أما الطفل محمد عبد الحسين فرحان ( 6 سنوات) فقد تم نقله إلى غرفة الإنعاش في 29 أبريل 2011 بعد اختناقه بالغاز المسيل للدموع الذي ألقته القوات الأمنية بشكل مفرط ومتعمد كعادتها على البيوت الآمنة في قرية سترة، وبقي في الإنعاش حتى توفي في صباح اليوم التالي 30 أبريل 2011.
وقد سبق لمركز البحرين توثيق العديد من الحوادث المشابهة التي طالت الأطفال في السنتين الماضيتين وبشكل أكثر كثافة في الأشهر الستة الماضية في تقريره السابق.
اعتقال الأطفال وتعذيبهم في مراكز التوقيف
يجب على الدول أن تكفل ” ألا يعرض أي طفل للتعذيب أو لغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، و ألا يحرم أي طفل من حريته بصورة غير قانونية أو تعسفية. ويجب أن يجرى اعتقال الطفل أو احتجازه أو سجنه وفقا للقانون ولا يجوز ممارسته إلا كملجأ أخير ولأقصر فترة زمنية مناسبة.”البنود أ و ب من المادة 37، اتفاقية حقوق الطفل
وفي حين واصلت السلطات الأمنية نهجها باعتقال الأطفال تعسفياً من قراهم ومنازلهم إلا أنها دشنت مرحلة جديدة بمداهمة مدارسهم واعتقالهم من صفوفهم الدراسية وقاعات الإمتحان. وقد شكل الأطفال نسبة خطيرة تصل إلى 25% من مجموع الذين تعرضوا لحملة اعتقالات شرسة منذ إعلان حالة السلامة الوطنية والذين فاق عددهم 1200 مواطن ومواطنة. وهي نسبة تتجاوز بكثير مثيلتها في سجون دول تعاني من اضطرابات مثل فلسطين المحتلة (الأطفال 3.7% من مجموع المعتقلين) والعراق (الأطفال 3% من مجموع المعتقلين) الأمر الذي يعكس شدة الحملة الأمنية وتعسفها في الاعتقالات ضد الفئة الأضعف من الناس .
وتعرضت ما لا يقل عن 12 مدرسة من مدارس البنات إلى المداهمات المتكررة من قبل رجال الأمن حيث يتم اعتقال الطالبات ممن تترواح أعمارهن بين 12-17 عاماً من صفوفهن ويتم ضربهن وأخذهن إلى مراكز الاحتجاز وتعذيبهن وإهانتهن واحتجازهن لأيام قبل الإفراج عنهم، دون أن يحظين بفرصة وجود مرافق قانوني خلال التحقيق.
ففي 18 أبريل 2011 وعلى إثر ترديد بعض الطالبات لشعارات مناوئة للحكومة، داهمت الشرطة النسائية وقوات مكافحة الشغب مدرسة يثرب الإعدادية للبنات بمدينة حمد وشنت حملة اعتقالات واسعة شملت ما يصل إلى 50 طالبة تتراوح أعمارهن بين 11-14 سنة، وقامت قوات الأمن بتصوير الطالبات و ضربهن ثم إقتيادهن إلى مركز شرطة مدينة حمد (دوار 17). وبحسب معلومات تلقاها المركز، تمت إهانة المعتقلات وضربهن بالهراوات من قبل الشرطة النسائية على رؤوسهن بشدة. و قاموا باستجوابهن و فتح محضر لكل طالبة، حيث سألوا الطالبات (هل شاركتِ في أي مسيرة أو ذهبتِ إلى الدوار؟) وتم ضرب رؤوسهن بالجدار عدة مرات وتوقيفهن لمدة ساعات. كما أن الشرطة أجبرت الطالبات على كتابة اسم “حسن مشيمع” على أحذيتهن وغسل أحجبتهن بعد كتابة الشعارات الموالية للنظام عليها. بالإضافة إلى ذلك، رشت الشرطة على وجوه الطالبات مادة غير معروفه لهن. و قبل أن يطلقوا سراح الطالبات، أجبروهن على إمضاء تعهد للحضور في اليوم التالي وإلا سيتم إحضارهن بالقوة. وقد قال الأهالي أن بناتهن كن في حال يرثى لها من الإنهيار النفسي بعد الإفراج عنهن.
وقد تعرضت المدرسة نفسها لمداهمات أخرى في أيام لاحقة بالإضافة إلى مدرسة العهد الزاهر الثانوية للبنات ومدرسة أميمة بنت النعمان الثانوية للبنات ومدرسة هاجر الإبتدائية للبنات اللاتي شهدن أيضاً مداهمات متكررة واعتقالات للطالبات والمعلمات، جعلت الأهالي والطالبات في حال قلق وتوجس دائم خشية التعرض للضرب والإعتقال في المدرسة.
وفي 12 مايو تم استدعاء الطفلة إيمان العسوامي (15 عاماً) والتحقيق معها لما يزيد عن 11 ساعة حول مواضيع مشاركتها في الاحتجاجات وحول كتاباتها على صفحتها الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك. وقد جرى التحقيق دون السماح لأي من والديها بالحضور وفي غياب محامي، أو مختص بالتعامل مع الأطفال حيث حقق معها ضباط من الرجال، ولم يتم الإفراج عنها إلا في وقت متأخر وبعد التعهد بالحضور في اليوم التالي.وفي 22 مايو 2011 تم إعتقال طالبتين في السابعة عشر من العمر من مدرستهن أثناء تقديم الامتحانات النهائية، وهن زينب الستراوي و نوف الخواجة، وتم الإفراج عنهن بعد ساعات وبعد ضربهن ضربا مبرحاً.
وتحدثت الطالبة هبة (16 عاماً) (وهو اسم مستعار لتفادي إعادة اعتقالها) أنه قد جرى اعتقالها من مدرستها مع 3 طالبات من زميلاتها، وتم احتجازها وضربها لثلاثة أيام متوالية في شهر أبريل 2011. وفي الباص الذي أخذها من المدرسة إلى مركز الشرطة تم تهديدها بالإغتصاب وإهانتها بالقول أنها ليست مسلمة حقيقية. وقالت أن رجل الأمن قد أجبرها على خلع الحجاب وأنه ضرب رأسها بالجدار عدة مرات بقوة وكان يضاعف الضرب عندما لا تصرخ، وضربها بخرطوم غليظ على رأسها حتى بدأ الدم بالنزيف، وسقطت على الأرض. وقالت أن التهديد بالإغتصاب قد تكرر في مركز الأحتجاز، كما تم إرعابها وزميلاتها نفسياً بالقول لهم أنهم سيحالون إلى الجيش السعودي ليتصرف معهم، وهو الأمر الذي تسبب بإغمائها لشدة الخوف مما قد يحدث لها هناك. وتم إجبارها على مشاهدة فتيات أخريات يتعرضن للضرب وهن معصوبات الأعين. ولا تزال الفتاة خائفة من إعادة إعتقالها حيث هددوها بذلك.
وقضى الطفل علي أحمد عباس يحيى ثامر (12 عاماً) ما يزيد عن الشهر محتجزاً في مركز شرطة الرفاع بعد أن اختطفته القوات الأمنية دون أن تبلغ أهله باعتقاله، وبقيت العائلة لا تعرف عنه شيئاً لفترة إلى أن ثبت لها وجوده في مركز الشرطة.
ولم يسمح لأي من الأطفال الذين تعرضوا للإعتقال باللقاء مع أهاليهم أو الاستعانة بمحامي طوال فترة احتجازهم. كما تم احتجازهم في مراكز التوقيف الجنائية ومع سجناء جنائيين متهمين بجرائم كبيرة كمهربي المخدرات الذي يكبرونهم عمرا. وذلك يتعارض مع المعايير الدولية حيث أوصى فريق الأمم المتحدة المعني بالاحتجاز التعسفي في تقريره الصادر في عام 2001 وبعد زيارته للبحرين بضرورة فصل الأحداث عن الكبار إلا أن هذه التوصية لم يتم تنفيذها حتى الآن.
وكان فريق الأمم المتحدة المعني بالاحتجاز التعسفي قد زار البحرين في رحلة لتقصي الحقائق في عام 2001 وقد أوصى بنقل تبعية مراكز الاحتجاز الخاص بالأطفال إلى وزارة التنمية الاجتماعية بل صدر قرار من مجلس الوزراء في 4 ديسمبر 2005 بنقل التبعية إلى وزارة التنمية الاجتماعية إلا أن هذه التوصية التابعة للأمم المتحدة وقرار مجلس الوزراء لم يتم تنفيذهما حتى الآن وبعد مرور عدة سنوات من صدورهما. ويدير جميع مراكز الاحتجاز وسجون الأطفال في البحرين وزارة الداخلية بدلا من وزارة التنمية الاجتماعية.
وكذلك فإن لجنة حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة أن أعربت عن أسفها عام 2002 لعدم إشارة تقرير حكومة البحرين لأية معلومات عن الادعاءات الخطيرة الواردة في تقارير منظمات حقوقية أخرى عن ممارسة التعذيب والاعتقال التعسفي على أفراد دون الثامنة عشر من العمر وأوصت اللجنة لاحقا بالتحقيق بشكل فعال في كافة حالات التعذيب والمعاملة أو العقوبة اللاإنسانية والمهينة على يد ضباط الشرطة وتقديم مرتكبي تلك الانتهاكات للعدالة، وكذلك توفير الرعاية الكاملة لضحايا تلك الانتهاكات ومنحهم التعويض الملائم وسبل العلاج والدمج الاجتماعي.
وقد سبق لمركز البحرين توثيق العديد من حالات الاعتقال التي حدثت في الحملة الأمنية السابقة في أغسطس الماضي والتي راح ضحيتها أكثر من 70 طفل يصل عمر أصغرهم إلى 10 سنوات حيث واجهوا تهماً تفوق سنهم وكانوا عرضة للتعذيب وإساءة المعاملة لنزع اعترافاتهم – راجع التقرير السابقالمحاكمات العسكرية للأطفال
في حين تشترط اتفاقية حقوق الطفل في المادة 40 أن “تسعى الدول الأطراف لتعزيز إقامة قوانين وإجراءات وسلطات ومؤسسات منطبقة خصيصا على الأطفال الذين يدعى أنهم انتهكوا قانون العقوبات أو يتهمون بذلك أو يثبت عليهم ذلك،” ورغم وجود محكمة مختصة بالنظر في قضايا الأحداث في البحرين، إلا أن السلطات قد قامت بتقديم الطفل محمد إبراهيم خاتم (15 عاماً) للمحاكمة العسكرية في مايو 2011 مخالفة بذلك الإتفاقية التي وقعت عليها. وكان خاتم قد تم إعتقاله من منزله في مداهمة ليلية جرت في الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل في 4 مايو 2011 ، ووجهت له تهم المشاركة في تجمهر وأعمال شغب، وستعقد جلسة الاستماع التالية في قضيته في 30 مايو 2011. ومن غير المؤكد عدم تعرض أطفال آخرين للأمر نفسه في ظل سرية المحاكمات وحظر ال